الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
نفحات القرآن
الفرع الأول : الهداية التشريعية ، وتطبيق الأحكام الدينية ، سواء عن طريق إقامة الحكم وتطبيق الحدود والأحكام الإلهيّة والعدالة الاجتماعية ، أو عن طريق تربية وتعليم النفوس بشكل عملي ، وكلاهما يؤدّي إلى تحقيق أهداف الأنبياء ، ويحتاج إلى مخطط مرهق وصعب للغاية ، وإلى مواصفات كثيرة كالعلم والتقوى والشجاعة والإدارة . الفرع الثاني : الهداية التكوينية والهداية إلى المطلوب من خلال التأثير والنفوذ المعنوي والروحي وتوجيه شعاع الهداية إلى أفئدة ذوي الاستعداد من الناس ، وهذا يتطلب من أيّ نبيّ أو إمام أن يكون حسن السيرتين ، الظاهرية والباطنية وهي التي كانت للأنبياء والأئمّة إزاء أتباعهم ، ومن المسلم به أنّ مثل هذا الأمر يتطلب المزيد من المواصفات والمزايا والقابليات . فمجموع هذين المخططين يحقق أهداف الدين والرسالات الإلهيّة ، ويوصل ذوي الاستعداد من البشر إلى التكامل المادي والمعنوي ، الظاهري والباطني ، وهذا هو المراد من الإمامة في الآية المذكورة ، ولم ينل إبراهيم عليه السلام هذا المقام من دون أن يؤدّي الامتحان لنيل تلك المؤهلات والصفات . ويستفاد ممّا تقدم أنّ مقام « الإمامة » يشترك مع مقام « النبوة » في الكثير من الحالات ، وبإمكان نبيّ من اولي العزم كإبراهيم أن يبلغ مقام الإمامة أيضاً ، والأكثر وضوحاً من ذلك هو أنّ اجتماع مقام « النبوة » و « الرسالة » و « الإمامة » في خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله متحقق فعلًا . ويمكن أن ينفصل مقام الإمامة عن مقام النبوة والرسالة ، كما في الأئمّة المعصومين عليهم السلام الذين يعلمون مسؤولية الإمامة فقط ، من دون أن ينزل عليهم الوحي ويكونوا « رسلًا » أو « أنبياء » . على أيّة حال ، فمن خلال مطلع هذه الآية تتضح جيداً عظمة مقام الإمامة ، وأن تعيين الإمام من قبل اللَّه تعالى : « قَالَ انِّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ امَاماً » . وذيل هذه الآية يوكّد كثيراً على هذا الموضوع ، فهو يقول : إنّ إبراهيم عليه السلام لما أُعطي هذا المقام قال : « ومن ذرّيتي » .